في رحاب المنتدى الوطني لأبحاث الفكر والثقافة
كتب الاستاذ المتمرس الدكتور طالب العنزي
أضواء على حواريه خير القرون
عودنا المنتدى الوطني لأبحاث الفكر والثقافة في النجف الأشرف على أمسيات نوعية وطروحات مرتقبة داعمة لمناهج التفكير العلمي النقدي المجدد، منفتحة على مضامين الوعي الإنساني الخلاق ومضانه العبقرية التي غامرت ولم تزل مخلصة السعي لتأسيس ثقافه جديدة تليق بالإنسان المعاصر وتساؤلاته وانظمة تفكيره بعيدا عن مناهج الحكاية والرواية الغرضية المؤدلجة المصنوعة لغايات ودوافع شتى بعيدا عن المنهج التقريري النقلي الذي أسر الثقافة العربية الإسلامية والعقائد والأديان المتعايشه معها طيلة القرون المعقبة لظهور الإسلام فاعتقلت العقول ومنعت التفكير وقدمت لنا ثقافه جاهزة مغلقه في قوالب جاهزة وليس علينا الا اتباعها مشروطة بالقبول والتصديق وعدم النظر والتدقيق على أنها قاربت القداسة و خالطت المقدس.
حقا أقول ولست مضطرا للمجاملة او المبالغة التي امقتها، حضرت الكثير من أمسيات المنتدى الوطني لأبحاث الفكر والثقافة: المحاضرات والندوات الفكرية والجلسات الحوارية فوجدت فيها ضالتي في النزوع إلى التمرد وكسر الأطر والاقفال التي اعتقلت العقل حتى جفت المنابع واصحرت محافل المعرفة ومنتديات الثقافة التي تمددت قاتمه حتى غدت ماسخة باسجة يسودها الاجترار و التهامز وكأنها جلسات تخزين القات. الذي يجعلك تشعر بالرضا عن نفسك وانت تواظب على حضور أنشطة المنتدى الوطني لأبحاث الفكر والثقافة، الهيئة العلمية الطموحة ممثله برئيسها الأستاذ المتمرس الدكتور عبد الأمير زاهد ,الواعي لأهداف المنتدى ومسؤوليته في إنماء التفكير الحر والنقد المعرفي المستقل الهادف ,وعلى ذلك جرت الأنشطة التي حضرتها ,ومما يزيد رضاك ويمنحك ابتهاجا رواد المنتدى وهم صفوة النخبة المثقفة: مفكرون ,علماء ,اكاديميون ,اطباء ,أدباء ,شعراء ,نقاد مميزون
يثرون المحاضرات بالمداخلات والتعقيب الذي لا يخلو من اضافه او تقويم, ويأتي في مقدمة رواد المنتدى الوطني ,المميز بحضوره المضيء دائما عضو المجمع العلمي العراقي الاستاذ الدكتور عبد علي الخفاف دام ظله.
بودي هنا الوقوف عند آخر نشاط علمي قدمه المنتدى الوطني لأبحاث الفكر والثقافة بالتعاون مع مكتبة حياة وفضاء الثقافة وكرسي اليونسكو في جامعة الكوفة, حيث استضافة الدكتور علي الديري لعرض كتابه (خير القرون كيف نفهم الخير في التاريخ).ومع أننا لم نقف على الكتاب ومع كفاءة الباحث واقتداره العلمي في تداول ومناورات العرض ومع حسن إدارة الجلسة بكفاءة ملحوظة, لا ادري لم شعرت ان الباحث احتجز الكثير من معلوماته الضرورية لاستكمال حيثيات العرض. حقا والحق اقول شعرت ان الباحث كان مكتنزا مطلعا ولكن لم افهم لم كان متوجسا مترددا في تقديم ما لديه, اذ كان يتقدم في معلومة ويتراجع في أخرى حتى بدت بعض جمله مبتوره معتمه غير واضحة الدلالة, بالتأكيد خسرنا الكثير مما لديه.
عرض الباحث على –استحياء- مشكله تكون مفهوم خير القرون الثلاثه, وكيف تفخم هذا المفهوم وتمدد عبر العصور الإسلامية حتى عصرنا هذا ليكن مسلمة حصينة في الثقافة الإسلامية ممتنعه على النقض او النقد.
لا ينكر ان مفهوم خير القرون عبر عن وجوده وحصانته في مديات غير قليلة في الثقافة الإسلامية ولكن لم يكن مطبقا على الثقافة الإسلامية, كما لم تكن الثقافة الإسلامية كليا متماهية فيه لوجود ثقافه إسلامية مقابله لم تعتد بمفهوم خير القرون ولم تقم له اعتبارا علميا.
من الواضح ان هذا المفهوم مستخلص من القول المنسوب إلى النبي (ص) (قرني هذا خير القرون ثم الذي يليه ثم الذي يليه). أقول مع ان هذا الحديث ورد في اربعة من كتب الحديث المعتبرة: صحيح البخاري ,صحيح مسلم ,سنن النسائي وسنن ابن ماجة, الا ان تداوله لدى البعض جاء مصحفا عما أورده الشيخان, حيث اصل الحديث (خير الناس قرني...) ثم ان هناك حديثا يقلب المفهوم اخرجه الطيلساني وروى احمد والدارمي والطبراني (قال ابو عبيدة يا رسول الله أاحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك قال: قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي و لم يرون).
أقول ان (خير القرون قرني ثم الذي يليه)لا يمكن تصديقه بسهوله على انه حديث نبوي لتعارضه مع القرآن الكريم الذي أشار لوجود المنافقين في عصر النبي(ص)كما ان مجريات الوقائع التاريخية تنفي كون القرون الثلاثه الأولى من تاريخ الإسلام خير القرون لكثرة الوقائع المستنكره فيها,منها محاولة اغتيال النبي (ص)في عقبة تبوك ومنها تزاحم المسلمين الأوائل على السلطة ومنها اغتيال ثلاثه من الخلفاء الراشدين، فضلا عن سفك الدماء والحروب التي وقعت بين المسلمين الي غير ذلك مما ساد في العصرين العباسي والأموي من سلوك سلطوي متجبر وممارسات كثيرة لا تستقيم مع الاسلام، وهنا يتهافت مفهوم خير القرون الأولى الذي نسب إلى حديث النبي(ص)ولم يقله اذ هو لا ينطق الا بالحق.
ومن قبيل هذا الحديث الموضوع حديث آخر ينسب إلى النبي(ص) تتبناه جميع فرق المسلمين وهو لا يقل عما سبقه في اثارة التضاد والتنافس بين المسلمين وتمزيق ماتبقى بينهم من لحمة.
الحديث روته كتب الشيعه وكتب السنة وهو(انقسمت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقه وانقسمت النصرانية الى اثنين وسبعين فرقه وتنقسم أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقه كلها في النار الا واحدة).
ياسلام !!! فرق الشيعه وفرق السنة جميعا, كل هذه الفرق المبعثرة في الانقسامات تدعي أنها الفرقه الناجيه, ياعجب العجاب كل المسلمين في الأرض ينقسمون إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة. ترى اي كارثه هذه؟ وأي عقل سليم يصدق هكذا حكم يصدر عن ربنا الرحمن الرحيم الرؤوف بعباده؟ ومع القساوة البالغة في هذا المضمون لم يزل المسلمون متمسكين به متنازعين فيه متناسين قوله تعالى (وسعت رحمتي كل شيء)وغافلين وعده الكريم (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم). بسهوله جدا أقول وبدون تردد ان هذا القول مكذوب مصنوع منسوب إلى النبي(ص)بغيه مزيد من اختلاف وانقسام و تضاد و تشرذم المسلمين.
ولما اثيرت الإشكالية على مثل هذه الاقوال المنسوبة إلى النبي (ص)اجاب الباحث الدكتور علي الديري ليس لنا الاعتراض على هذه النصوص او نقدها كونها احاديث صحيحة السند جاءت برواية الصحابة وهم والتابعين وتابعي التابعين عدول وليس لنا الا تصديقهم والتسليم بصحة روايتهم. قلت حسبنا الله تعالى أمام الكثرة الكاثرة من الأحاديث الموضوعة في كتب الحديث التي لا تستقيم مع افق الإسلام وضعت بتوجيه لشرعنة السلطة وتلميعها وايجاد المبرر لا أفعالها المستنكرة المنتقده.
أقول ان لم نجد حلا لتنقية كتب الحديث جميعا السنية والشيعيه معا وإقامتها وفقا للقران الكريم والعقل النقدي الحر, سوف لا يجد المسلمون الاستقرار مطلقا وربما ينكفئ بهم المسار إلى مزيد من التراجع والانقسام قياسا إلى الأمم الأخرى.
بالموجز اقول ان اعظم مشاكل المسلمين واسباب تفرقهم تتأتى من كتب الحديث والفقه القائم عليها والمستنبط منها.
بقيت مساله اخيرة آثارها الباحث الدكتور علي الديري لم أراها من السياق ,ربما أراد من إقحامها في العرض لتوكيد فرضيته البحثيه وهي ،تماهي الثقافة في سلطة النصوص وإرادتها .
ملخص المسألة : ان السلفية المتشددة والقائمة على مأسورية العقل لسلطة كتب الحديث وما استنبطه الفقهاء عن تلك الكتب, دفعت السلفيين إلى اختطاف الموروث الإسلامي ايما كانت هويته وتطبيعه لما يناسبهم بالحذف والإضافة ثم اعادة طبعه بكيفية جديدة تروق لهم, وقد عضد الباحث فكرته هذه بوجود محاولة سلفية تقدم الطبري على انه شيخهم وكبيرهم وذلك بإعادة انتاج تاريخ الطبري وإعادة طبعه بعد تنقيته مما لا يروق لهم. اقول ان هذه الفكرة مستغربة وغير ممكنة التطبيق لاعتبارات منها : ان السلفيين ليس في شحة للفقهاء والكتاب كي يجهدوا انفسهم لاختطاف تاريخ الطبري, ثم ان الطبري مع كونه شيخ المؤرخين فإنه مفسر للقران وفقيه وله مذهب خاص به اسمه (الجريرية ). لي فيه بحث نشر في مجلة (الاستاذ العلمية المحكمة ) في كلية التربية جامعة بغداد قبل خمسة وعشرين عاما بعنوان (الجريرية مذهب أبي جعفر الطبري)، بمعنى ان الطبري محسوم الهوية لا يختطف. يضاف إلى ذلك ان ما بين الطبري و السلفية ما صنع الحداد حيث طاردوه من المسجد إلى بيته وحاولوا قتله لو لم تنقذه شرطة بغداد يتقدمهم(نازوك) صاحب شرطة العباسيين. وتوكيدا لاستقلالية مذهب الطبري, انه قدم مذهبه في كتاب بعنوان ( اختلاف الفقهاء) وجد مدفونا في باحة بيته, ولم ينس توكيد أسباب ثورة الحنابلة عليه, اذ قال ان الحنابلة لا مذهب لهم, وان احمد ابن حنبل محدّث ولم يكن فقيها.